الجزء الرابع:
فرح وحيد كثيرا وصارت دقات قلبه كالموسيقى.
بعد حوالي الشهر ذهب وحيد لخطبة ندى وكان سعيدا جدا ولكن ندى كانت خائفة أن يغير وحيد رأيه بعد أن يرى المنزل الذي تقطن في.
حان الموعد ندى قد جهزت نفسها وارتدت أجمل ما عندها من ثياب.
في الساعة لثامنة والنصف من مساء يوم الخميس قرع باب منزل ندى وذهبت أمها لتفتح الباب واستقبلت وحيد بوجه بشوش ورحبت به وأدخلته إلى غرفة الجلوس وجلسا ثم خيمت لحظات صمت قصيرة ثم قالت والدة ندى السيدة وفاء:لقد روت لي ندى قصتك وبأن لا أحد لك في هذه الدنيا,ونحن أيضا مثلك لا أحد لنا في هذه الدنيا.
وجلست السيدة وفاء تسأل وحيد عن عمله وعن بعض الأمور التي يجب التحدث عنها عند الخطبة والزواج وبعد قليل من الزمن دخلت ندى ومعها القهوة فانبهر وحيد كم ازداد جمالها بعدما فردت شعرها المنسدل الجميل ووضعت بعض مساحيق التجميل وارتدت الفستان الأخضر الطويل,قدمت له القهوة ويداها ترتجفان وقلب وحيد يخفق بشدة ثم قدمت القهوة لأمها وجلست بحشمة وأدب واستمعت لما يقوله وحيد وأمها.
وبعد نحو ساعة من النقاش تم الاتفاق على كل شيء حتى موعد الزفاف الذي حدد بعد شهر ثم قام وحيد بإخراج خاتم ذهب وألبسه لندى وكانت عيون ندى تتحدث عن فرحتها وسعادتها.
ومرت الأيام سريعة جهز خلالها وحيد وندى كل شيء يلزمهما من ثياب وأدوات منزلية وتجهيزات ثانوية أخرى.
حان موعد الزفاف وبما أن لا ندى وأمها ولا وحيد يعرفون أحدا فقروا عدم إجراء حفل زفاف فقط ذهبوا في النهار إلى المحكمة وقاموا بإجراءات الزواج وفي المساء ودعت ندى أمها وبعينيها دموع الفرحة ثم ذهبت مع وحيد إلى منزلهما قرب الشاطئ.
وبعد شهـر العسل هناك طبعا عودة للعمل فعاد كل من وحيد وندى إلى أول يوم عمل لهما كزوجين وكانا كلما رآهما أحد العاملين في المستشفى بارك لهما وكانا ي غاية السعادة حتى أن وحيد كان كلما خرج مريض من عنده يتسلل إلى غرفة ندى ويقول:لقد اعتدت عليك ولا أستطيع الابتعاد عنك أبدا.
وهكذا مرت الأيام والشهور والسنوات حتى مر 5 سنوات فأصبح وحيد في الثامنة والثلاثين من العمر وندى في الخامسة والثلاثين من العمر والآن ندى في الشهر الأخير من حملها,واقترب موعد ولادتها,ولقد علما بأن طفلهما القادم إلى الدنيا صبي وكانا سعيدين جدا وكان وحيد في كل يوم يشتري لطفله الذي لم يولد بعد لعبة أو قميصا وندى تسمعه الموسيقى في كل يوم وتتحدث إليه وقررت منذ بداية حملها أن تكتب له مذكرات كل يوم كانت حامل به فيه.
لم يمر على وحيد وندى يوم تعيس منذ أن تزوجا وكانا في كل يوم يسعدان أكثر فأكثر.
في أحد الأيام بينما كان وحيد في المستشفى يعمل كالمعتاد قررت ندى أن تأتي إلى المستشفى وتجلس عند وحيد ولكنها كانت تشعر بآلام غريبة بين الفينة والأخرى ولكنها لم تهتم بالأمر واعتقدت أنها آلام عادية.
فوجئ وحيد عندما رأى ندى في غرفته بالمشفى وقال لها:لماذا أتيت؟ لا يجوز أن تتعبي أنت في آخر شهر من حملك.
أجابته ندى:لا يا حبيبي لا أستطيع أن أحبس في المنزل لقد اشتقت للمشفى وللزملاء هنا,وإنني أشعر بتحسن هنا,فلا تخشى علي.
وبعدما دخل المريض التالي خرجت ندى من غرفة وحيد وبدأت تتجول في أرجاء المشفى وكان زملائها يرحبون بها ,وفي أثناء تجوالها في المشفى كان وقت استراحة وحيد قد بدأ فخرج يبحث عن ندى في أرجاء المشفى وعندما رأت ندى وحيد من بعيد ابتسما لبعضهما وبقيا هكذا لعدة دقائق من بعيد,ولكن فجأة انمحت الابتسامة من على وجه ندى وصرخت صرخة مدوية فجرى وحيد بأقصى سرعة إليها وهي لم تتوقف عن الصراخ فصرخ وحيد على الممرضين قائلا:أحضروا سريرا متحركا..بسرعة..ألم تسمعوني بسرعة هيا...
ثم قال وحيد لندى:اصبري قليلا...دقائق وسنرى ابننا..حسنا؟
ثم حملها الممرضين وساعدهم وحيد وكان يهدئ من روعها...
وصلوا إلى الغرفة وجاء الطبيب دون تأخير وقام بمساعدتها للولادة لكنها لم تستطع وبعد حوالي الأربع ساعات كان جسد ندى قد تعب كثيرا ووحيد سينهار عصبيا فطلب منه الطبيب الانتظار بالخارج...
وفجأة....صرخة طفل..نعم صرخة طفل..فخرجت الممرضة وقالت لوحيد:سننظف الطفل ثم سنحضره إليك.
فقال لها وحيد:وندى..هل صحتها جيدة؟
فطأطأت برأسها وقالت:للأسف السيدة ندى نزفت كثيرا وقد غابت عن الوعي وسنجري لها عملية مباشرة...فلتدعو لها بالسلامة....
قال لها وحيد متلهفا:ماذا..كيف..أأأتريد دما؟أعطوها كل دمي..فقط اجعلوها تتحسن أرجوكم افعلوا كل ما تستطيعون لا تتركوها تموت..لا تتركوها تموت كما ماتت أمي وتركتني..هناك طفل بحاجة إليها...وأنا أيضا بحاجة ماسة إليها أرجوكم...
ثم انفجر باكيا كالأطفال وهو يرجو الممرضة ويعيد الجمل ذاتها,فقامت الممرضة بإعطاء وحيد إبرة مهدئة بأمر من الطبيب وأدخلوه إلى أحد الغرف ونام فيها...
وفي هذه الأثناء كان طبيب ندى يجري لها العملية,وكان الطفل في الحاضنة وهو بصحة جيدة...
في اليوم التالي استيقظ وحيد ثم نهض مسرعا ليسأل عن ندى و عن ابنه فرأى الممرضة بوجهه فسألها:أين طفلي؟ وكيف حال زوجتي؟ وأين هي؟
أجابت:ابنك في الحاضنة وهو بصحة جيدة,أما السيدة ندى...اذهب لطبيبها وهو سيخبرك.
فأسرع إلى غرفة طبيب ندى وسأله:كيف هي ندى؟
أجاب:للأسف لم نستطع مساعدتها..لقد توفيت أثناء إجراء العملية لها لم يتوقف النزيف لحظة واحدة..أنا آسف لقد فعلت كل ما في وسعي.
ثم لم ينطق وحيد بعدها بكلمة واحدة وذهب إلى الحاضنة وأخذ الطفل في حضنه انهمرت الدموع من عينيه بصمت ففرحته بابنه لم تكتمل..كالعادة لم تكتمل فرحته يوما..
ثم أخذ الطفل وذهب إلى منزل أم ندى وأخبرها بما حدث ولكن وحيد تفاجأ كثيرا عندما رأى حماته لا تبكي أو تصرخ كباقي النساء قالت فقط:إنا لله وإنا إليه راجعون..لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..الحمد لله على كل شيء..الحمد لله.. على الأقل لقد عوضنا الله بهذا الطفل الصغير وهو قطعة منها ,فلا تحزن يا بني هذه هي سنة الحياة.
وحيد لم يتحدث عن الموضوع فقط قال لها:أريد الخروج أشعر بأن صدري قد ضاق...
فترك الطفل عندها وخرج وهذه هي الصدمة الرابعة والشخص الرابع الذي يفقده ولكن هذه الصدمة كانت الأقسى فهذه المرأة كانت الأقرب إليه من أي شخص آخر فهي زوجته وموطن أسراره والمرأة التي أحب.....
لم يعلم إلى أين يذهب وماذا يفعل كل شيء كان قد انتهى بالنسبة إليه فحياته الآن لا معنى لها وابنه حرم من حنان الأم الذي هو أكثر شخص يعلم معناه.
وكان يمشي في أرجاء بيروت ودون أن يشعر وصل إلى منزله.. منزله الذي قرب الشاطئ..ثم دخل إلى المنزل وتوجه إلى غرفة نومهما فرأى بوجهه صورة لهما فثارت مشاعره ولم يحتمل ودون أن يشعر كانت دموعه قد شقت سيولا على وجنتيه ثم جلس على السرير وحاول أن يهدئ نفسه قليلا..ولكن...فجأة انتصب واقفا وكل شيء رآه في وجهه رماه على الأرض وكسره وبعد نحو الساعة من الذكريات في غرفة النوم,ذهب إلى الغرفة التي كانا هو وندى قد جهزها لابنهماـ والذي قررا أن يسمياه محمدـ فوجدها جميلة بألوان زاهية ومشرقة وكان وحيد يتخيل ندى تطعم محمد وتحاول وضعه في السرير وجلس أيضا يتذكر كيف اشترى هو وندى كل هذه الأغراض وكيف جهزا الغرفة سوية...والدموع لم تتوقف لحظة من عينيه..ولكن فجأة رن هاتفه الجوال فرد عليه مسرعا وكانت حماته على الهاتف فقالت له:متى ستأتي؟ إنك لم ترى ابنك جيدا منذ أن ولد أمه قد رحلت صحيح ونحن لا نستطيع أن نغير هذه الحقيقة ولكن بإمكانك أنت أن تعوضه بقدر المستطاع حنان الأم يا بني هيا عد وخذ ابنك في حضنك ولتنم في منزلي الليلة وفي الغد سنرى ما نفعل..لا تتأخر لأن موعد نوم حمودة قد اقترب...
فابتسم وترك البيت مسرعا وعاد إلى منزل حماته السيدة وفاء..ففتحت الباب وكان محمد بين يديها وقالت له ادخل واحمل ابنك...
فدخل وحيد مسرعا وأخذ ابنه من السيدة وفاء وجلس وبقي محمد في حضن والده وحيد لوقت طويل فوحيد كان يرى بمحمد أنه قطعة من ندى كما قالت السيدة وفاء.ثم قالت له السيدة وفاء هيا اسمعه الآذان في أذنيه فأنت والده..هيا.
ففعل وحيد ما قالت له السيدة وفاء أن يفعله,وبعد مرور القليل من الوقت
أخذت السيدة وفاء محمد من وحيد لتنمه,وبد عشر دقائق عادت للتحدث مع وحيد فوجدته قد غط في نوم عميق فأحضرت غطاء ووضعته على وحيد,ثم ذهبت لتنام هي أيضا.
بعد مرور أربعين يوما كان وحيد قد استوعب كل الذي حدث وزار ندى في قبرها ثم عاد للسيدة وفاء قال لها:يجب أن أعود إلى منزلي.
فأجابته السيدة وفاء:لا يا بني أنت لا تعلم كيف تطعم و تعتني بالطفل ابق هنا واسكن معي.
فقال لها وحيد:لا يا زوجة عمي لا يجوز أن أسكن هنا معك هنا طوال العمر فمحمد يجب أن يكبر في بيته, ولكن إذا أردت أنت تعالي واسكني معي فأنا وحفيدك المشاكس الصغير محمد لا نستطيع التخلي عنك.
فابتسمت وقالت:هذا هو الحل الأنسب وأنت تعلم منزلك على الشاطئ جميل وأنا أحب البحر كثيرا.
إذا الآن وحيد والسيدة وفاء ومحمد يعيشون في منزل وحيد الذي على الشاطئ.
ومرت الأيام ومحمد يكبر يوما بعد يوم ووحيد والسيدة وفاء يفرحان به أكثر فأكثر ودخل المدرسة وكبر أكثر أيضا حيث مرت 12 سنة وأصبح في الصف السادس,تماما كعمر وحيد عندما توفيت أمه حنان, وكان جميلا جدا حيث كان يشبه أمه كثيرا وكان لديه قطة جميلة سماها سوسونة.
وحيد لا زال يعمل في نفس المشفى لكي يذكر الأيام الأجمل في حياته كلها التي قضاها مع ندى,وهو الآن في الخمسين من عمره وقد شاب جزء كبير من شعر رأسه.
السيدة وفاء الآن في 70 من العمر و لم تعد تقوى على العمل في المنزل.
فقرر وحيد أن يحضر خادمة للعمل في المنزل,حيث أراد أن يريح السيدة وفاء فلقد أصبحت غالية عليه كثيرا.
في أحد الأمسيات الشتوية الجميلة كان وحيد جالسا على نافذته قرب المدفأة يشرب القهوة ويتذكر ندى ويبتسم,وفي هذه الأثناء جاء محمد وقال لوحيد:أبي أنا الآن قد كبرت,صحيح أنني في نظرك طفل لكن عقلي كبير.
فضحك وحيد وقال:أتريد نقودا؟أم هذه مقدمة لشراء شيء ما لك؟
قال محمد:أبي أنا..أنا أريد أن أعرف أين أمي.