الجزء الثالث:
وعانقا بعضهما البعض بشدة....وبعد أن استوعبت منال الذي حدث سألته:إلى أين ذاهب يا بني؟
أنا: ذاهب إلى الولايات المتحدة للعمل هناك...وأنت يا خالتي؟
أنا عائدة إلى سورية لقد توفي زوجي وأنا اشتقت إلى بلدي الحبيب لم أعد أستطيع الابتعاد عن دمشق فهي كالنفس بالنسبة لي وأنا أريد أن أموت في المكان الذي ولدت به...
وحيد:بعد عمر طويل إن شاء الله...
منال:يا بني لم لا تأتي وتسكن معي في دمشق؟
وحيد:أنا آسف يا خالتي ولكنني مرتبط بعمل في ولاية أريزونا....لكن صدقيني سآتي وأزورك في سورية...فقط أعطني رقم هاتفك وعنوانك فأنا لم يعد لي في هذه الدنيا سواك...
فأعطت منال رقم هاتفها وعنوانها لوحيد...وفي هذه الأثناء حان موعد طائرة وحيد فعانق خالته وذهب إلى طائرته....
بعد حوالي اثني عشر ساعة وصلت الطائرة إلى ولاية أريزونا فحرج وحيد من المطار وركب بسيارة أجرة وذهب إلى العنوان المدون لديه....
وصل وحيد إلى المنزل الذي استأجره له مدير المستشفى فوجد المدير في انتظاره في الشقة ليسلمه المفتاح.
بعد ذهاب المدير اتصل وحيد مباشرة بخالته وتحدث معها قليلا ثم استلقى على السرير وغط في نوم عميق...
في الصباح التالي اتجه وحيد إلى المستشفى الذي سيعمل به وذهب إلى غرفته الذي سيستقبل بها المرضى....
جلس بها واستقبل المرضى وكان سعيدا بعمله في هذا المستشفى...
وبعد أكثر من خمسة شهور على عمله في هذا المستشفى وفي أحد أيام الصيف الحارة استدعى مدير المستشفى وحيد فذهب بثقة إلى غرفة المدير وعندما دخل وحيد اندهش بأن المدير كان عابسا في وجهه للمرة الأولى منذ أن عمل بالمستشفى ,وسأله باستغراب:ما الأمر؟
المدير بغضب:احزم أمتعتك من المستشفى وجهز نفسك فالشرطة قادمة لأخذك من هنا.
وحيد باستنكار:يأخذوني أنا؟لماذا؟ ما الذنب الذي اقترفته؟
المدير:جاء ابن أحد المرضى الذين تداووا عندك ويتهمك بأنك أعطيته دواء قد جعل حالته تدهور وسبب له الوفاة..وبأنك إرهابي عربي جئت إلى الولايات المتحدة لكي تقتل أهلها.
وحيد باستنكار أكبر:أنا؟ لكنني منذ أن جئت إلى هنا وعملت بهذا المستشفى وأنا أعمل بشرف ونزاهة وصدقني أنا لم أؤذي أحدا..صدقني.
وفي هذه الأثناء دخلت الشرطة لتسأل عن وحيد فأشار لهم المدير بأن الذي أمامه هو وحيد فكبلوا يديه وأخذوه معهم فسألهم بعد أن فقد الأمل من أن يصدقوه:ما الذي ستفعلونه بي الآن؟
أجاب أحد العناصر:سنوقفك مبدئيا ثم سنحاكمك بعد أسبوع.
وبعد أسبوع جاء وقت محاكمة وحيد فأخذوه منذ الصباح الباكر ليحاكموه وبعد أن وصلوا بوحيد إلى قاعة المحاكمة كان القاضي في الانتظار,وبدأت المحاكمة,وبعد انتظار نصف ساعة جاء دور وحيد,وبعد المشاورات والأسئلة صدر حكم القاضي على وحيد,قال القاضي:حكمت المحكمة حضوريا بالحكم على المتهم وحيد العمري بالسجن لمدة عشرين عاما بتهمة الإرهاب وقتل أحد المواطنين عن طريق إعطاءه دواء لا يناسبه .
صدم وحيد بهذا الحكم الظالم فهو لا يخون شرف مهنته ومن المستحيل أن يقوم بفعل كهذا...
دخل وحيد إلى السجن وعانى من الظلم لمدة خمس سنوات لم تذق عيناه فيها طعم النوم إلا لساعات قليلة,في أحد هذه الأيام الصعبة دخل الحارس إلى زنزانة وحيد وكان وحيد يراقب الحارس بعينان مدهشتان فأخذ الحارس وحيد معه إلى غرفة مدير السجن فرأى وحيد الرجل الذي هو السبب في دخوله للسجن وفي كل الظلم الذي عاناه فجلس بصمت بعد أن أشار مدير السجن لوحيد بالجلوس,وبعد لحظات صمت طويلة وقد مرت ثقيلة على وحيد قال مدير السجن:تهاني الحارة لك فقد اكتشفنا أن الذنب في مقتل والدة هذا الرجل هو ليس أنت بل الصيدلي الذي أعطاه الدواء عن طريق الخطأ وأنت سيفرج عنك غدا.
توسعت حدقتا وحيد وقال:هكذا بكل بساطة وكأن شيئا لم يكن.لقد سجنت لمدة خمس سنوات عانيت فيها وقمت بالأشغال الشاقة نتيجة حكمكم السريع ونتيجة خطأ لم أكن أنا المتسبب فيه؟
قال الرجل لوحيد مبتسما:لأنك عربي فظننا أنك من الممكن أن تقتل الناس في أميركا وأن تكون إرهابي أنا آسف جدا على هذا الخطأ.
قال وحيد بغضب:نحن العرب كلنا إرهابيين,كما أنتم ترون ولكن أريد أن أسألكم:هل اقتربنا من بلادكم؟
هل قتلنا شيوخكم ونسائكم وأطفالكم الذين لا ذنب لهم؟
هل اعتدينا على بلادكم؟
لو كنا فعلنا ذلك كنتم ستردون علينا بالتأكيد أليس كذلك؟
ونحن ندافع عن بلادنا فقط,نحن لا نريد منكم شيئا,مطلقا,أبدا أبدا إننا نريد أرضنا ووطنا فقط.
فعاد وحيد إلى زنزانته رافع رأسه كونه عربي,وبالطبع الرجل ومدير السجن لم تهتز شعرة منهما من الكلام الذي قاله وحيد ككل الأمريكيين الذين يريدون السيطرة على العالم وأن يجعلونا عبيدا لهم وهم أكثر من يعلم أن وحيد على حق.
وفي اليوم التالي حان موعد خروج وحيد من السجن وكان قد استحم ولبس ثيابا جديدة,وكان مدير السجن يريد مقابلته.
دخل وحيد إلى غرفة مدير السجن وسأله:ماذا تريد أيضا؟
أجاب مدير السجن:تفضل اجلس.
وبعد أن جلس وحيد قال له مدير السجن:لقد قطعنا تذكرة طيران لك إلى لبنان,موعد الطائرة في المساء.
أومئ وحيد برأسه وأخذ من مدير السجن تذكرة الطائرة وموعدها وذهب مباشرة إلى المستشفى الذي كان يعمل به وطلب مقابلة المدير الذي هو الشخص الوحيد الذي لم يتخيل أن يظلمه هكذا.
دخل وحيد إلى غرفة مدير المستشفى ففوجئ به وقال له:و..و..وحيد و..و..ولكن كيف؟
وحيد:لأنكم يجب أن تعلموا أيها الأمريكيين أن الحقيقة ستظهر وأن الحق يغلب دائما...
ثم خرج بصمت وكانت الدهشة كبيرة على وجه مدير المستشفى.
كان وحيد سعيدا بنصره وبظهور الحقيقة.
بعد شهرين من وصوله إلى لبنان اتصل بخالته منال,أجاب على الهاتف رجل ذو صوت خشن,ففوجئ وحيد وقال:عفوا أليس هذا رقم الخالة منال؟
قال الرجل بغضب شديد:لا حول ولا قوة إلا بالله كم مرة يجب أن أقول أن صاحب هذا الهاتف قد توفيت.
وحيد:ممماذا ؟الخالة منال توفيت؟متى وأين وكيف؟
الرجل:عندما علمت بأن ابن أختها الذي يعمل في أمريكا قد دخل السجن وحكم عليه عشرين عاما لم يتحمل قلبها هذا وتوفيت بالجلطة.
وحيد:ولكن أيمكنني أن أعرف من أنت؟
الرجل:أناان زوجها من زوجته السابقة ولم يجدوا أحدا يرثها فأعطوني كل هذه الأملاك,ولكن أنا أريد أن أسألك ,من أنت؟
ثم أغلق وحيد السماعة والدموع ملء عينيه.
بعد أن مر وحيد من هذه الصدمة الجديدة بصعوبة قرر العودة إلى العمل وكان موفقا ففي أول مستشفى ذهب إلي قبلوه للعمل فيه.
بدأ وحيد العمل في هذا المستشفى وكان متفائلا لأنه يعمل في بلد عربي وهذا البلد كبلده لأن لبنان وسورية أشقاء.
عند استراحة وحيد ذهب إلى مقصف المستشفى وأخذ وجبة ليأكلها وجلس على إحدى الطاولات.
في هذه الأثناء جاءت فتاة وطلبت وجبة أيضا وجلست على طاولة تقع بجانب طاولة وحيد قدر وحيد بأنها في الثلاثين من عمرها,كانت رائعة الجمال واندهش وحيد بجمالها فقرر بأن يتحدث معها ويتقرب إليها وسألها:أيمكن أن أجلس على الطاولة هنا معك؟
قالت له:بالطبع تفضل.ثم سألته:أنت الطبيب الجديد وحيد أليس كذلك؟
قال وحيد:نعم,وأنت ما اسمك؟
أجابت:أنا اسمي ندى,اختصاصي طب أطفال,وأنت ما اختصاصك؟
وحيد مبتسما:أنا طبيب جراح.
ندى:اختصاص مشوق,لا بدأن زوجتك مخدرة أليس كذلك؟
ضحك وحيد وقال:لا أنا لست متزوجا,وأنت زوجك أستاذ في مدرسة أطفال أليس كذلك؟
ندى:لا أنا لست متزوجة.
وجلسا يتناقشان طويلا ولم يشعرا بالوقت يمضي وكان وحيد ينظر إلى ساعته بين الفينة والأخرى وكانت استراحته قد انتهت ولكنه لا يريد أن ينهي الحديث معها , ولكن ندى نظرت في ساعتها ثم فوجئت بالوقت ووقفت مسرعة وقالت لوحيد:أنا آسفة جدا يا أستاذ وحيد ولكن وقت استراحتي انتهى منذ نصف ساعة.
قال وحيد:حسنا يبدو أنني أنا أيضا تأخرت.
ثم تصافحا نظرا في عيني بعضهما لعدة دقائق.
وفجأة قال ندى:إلى اللقاء.
وذهبت إلى غرفتها ولكن وحيد كان يراقبها بعيون تلمع محبة إلى أن اختفت.
وهكذا مرت الأيام وكان وحيد وندى يتعرفان على بعضهما البعض أكثر فأكثر,وكان وحيد قد روى قصته الطويلة لندى وندى فتاة حساسة فانهمرت الدموع من عينيها وهي تسمع قصته وقالت له:وحيد أنا لا أردي كيف استطعت أن تتحمل كل هذا,لقد عانيت كثيرا.
كان وحيد يحاول حبس الدموع في عينيه,ثم ابتسم وسألها:وأنت يا ندى أخبريني عن عائلتك.
ندى:أنا فتاة من جنوب لبنان وأنت تعلم الحرب هناك مشتعلة ضد إسرائيل,وفي الحرب استشهد والدي وأخي وبقينا أنا وأمي وحيدتان ولكن لا بيت لنا ولا مأوى,ولكن الحمد لله أن الدنيا ما زالت بخير فساعدونا أناس من جمعيات خيرية فساعدونا باستئجار منزل صغير بغرفتين في بيروت والآن أن أعمل هنا وأمي تقوم بخياطة بدلات الزفاف ونستفيد من سعرها لأن راتبي وحده لا يكفي لمصروف المنزل والماء والكهرباء وأجار المنزل.
وحيد:إذا أنت عانيت أيضا,ما هذه الصدفة؟
فابتسمت ندى ثم مرت دقائق وهما ينظران في عيني بضهما وقال وحيد فجأة:ندى أنا أحبك.
اندهشت ندى كيف أنه فجأة قال لها ذلك ولم تستوعب ذلك,ولكن في هذه الأثناء كان وحيد قد ذهب إل غرفته مسرعا وقال في نفسه:يا لي من غبي كان يجب أن أعرف أنها لا تحبني.
وفجأة دخلت ندى إلى غرفة وحيد دون أن تقرع الباب, نظر إليها وحيد فابتسمت ندى بوجهه وقالت: وأنا أيضا.
